ابن عربي
305
مجموعه رسائل ابن عربي
الوارد عليه في الإلقاء منه جلّ وعلا فمن قام بين يدي سيده بهذه الأوصاف كلها فلم ير جزء منه إلّا مستغرقا فيه على ما يرضاه منه كان عبدا كليا وقال له الحق تعالى إذ ذاك حمدني عبدي أو ما يقول على حسب ما ينطق به العبد قولا أو حالا فإن كان فيه بعض هذه الأوصاف وتعلقت غفلة ببعض التالين فليس بعبد كلي ولا يكون فيه للحق تعالى من عبودية الإختصاص إلّا على قدر ما أتصفت به ذاته فثم عبد يكون للّه فيه السدس ولهواه ما بقي وللّه فيه الخمس ولهواه ما بقي والربع والثلث والنصف على قدر ما يحضر منه مع الحق تعالى من حيث هو نوري كما جاء في الصلاة أنه لا يقبل منها إلّا ما عقل منها عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها فإن حضر في الكل حصل له الكل فإن مجيء الحق لك على قدر مجيئك له أليس اللّه تعالى يقول « من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يسعى أتيته هرولة » فالسعي إلي السعي هرولة وفي هذا الحديث فائدتان الواحدة أن يعطي فوق ما يتمنى العبد مصداق ذلك أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فقد أعطانا ما لا يدخل تحت علمنا والإرادة شرط في العلم والفائدة الأخرى المتعلقة بما كنا بسبيله من أن مجيء الحق لك بالجود على قدر مجيئك له فإذا تقربت إليه شبرا تقرب اللّه سبحانك إليك بجوده ذراعا ولكن بمن تقربت إليه شبرا فهو الذي تقرب إليك عناية منه بك بهذا الشبر الذي تقربت إليه به وتقرب إليك ثوابا وجزاء على ذلك الشبر الأول شبرا آخر فضلا أيضا فكأن من كلاهما ذراعا وهكذا ما بقي فهو المتقرب به إليه بفضله فكأن ينبهك ويقول لك بقوله تقربت إليك ذراعا يا عبدي إذا تقربت إلي واشهدني في تقريبك تقربا لك إلي آخذا بناصيتك وأنت كالميت لا فعل لك ثم أجاز بك على ذلك بمثل ما جئت به فإن جئت بك إلى خير جئت إليك بخير وإن كان ما سوى ذلك فأنا الحكم العدل وإنما هي أعمالكم ترد عليكم وهذا الوجه غامض جدا يتصور عليه اعتراض ولكن إذا حققت ما أشرنا إليه ارتفع الاعتراض فابحث عن ذلك وتحققه في نفسك فإنه من أرفع المنازل في هذا المقام فانظر يا بني أين تجعل همتك وكيف تكون مع الحق الذي إليه مردك فإنك لا تجد عنده إلّا ما قدمت وقد علمت المنازل فأما عبدا كليا وأما جزء عبد فتدبر هذه التلاوة وإلزمها نفسك في حركاتك وسكناتك فلا تتحرك إلّا باللّه وللّه ومع اللّه وفي اللّه وإلى اللّه وعن اللّه ولا تسكن إلّا على هذا الحد فباللّه من حيث توليه لك في ذلك وللّه من أجله لا من أجلك ومع